حسن الأمين
293
مستدركات أعيان الشيعة
لجارية بين السليل عروقها وبين أبي الصهباء من آل خالد أحق باغلاء المهور من التي ربت وهي تنزو في حجور الولائد وكأنه يريد ان يتشفى منها . فيكرر القول ويبدئ فيه ويعيد . واستثيرت نوار ولجات إلى جرير تحفزه ان يهجو الفرزدق ويخزيه لينتقم لها واستجاب جرير وغدت حدراء محور ست نقائض وعدة قصائد تقارضها جرير والفرزدق . ولكن حدراء ماتت وشيكا ولم يبتئس الفرزدق بموتها كما يظهر من رثائه . ورأى جرير في موت حدراء مناسبة ليخاطب الفرزدق بقوله : فأقسم ما ماتت ولكنما التوى بحدراء قوم لم يروك لها أهلا بعد موت حدراء تزوج رهيمة بنت غنيم اليربوعية . ولما استخفت بها النوار أخذ يشيد بنسبها ومكانتها ممعنا في إغاظة النوار ومبينا انها ستكون السبب في استقامتها : أراك نجوم الليل والشمس حية زحام بنات الحارث بن عباد عدلت بها ميل النوار فأصبحت مقاربة لي بعد طول عباد وانتقل إلى دارها ودافع عنها وعن أهلها : لقد حولتني عن تميم وبدلت رهيمة داري وسط بكر بن وائل ولم تطل بالفرزدق فرحته فما لبثت النمرية ان كرهته ونشزت به واستجابت لأمها التي كانت تثيرها عليه وكانت له مثل الشوكة في القدم فطلقها وأنشأ في هجوها أبياتا يعارض بها أبيات مدحه لأولى : ثم تزوج الفرزدق جارية من بني نهشل فحملت منه ثم ماتت بجمع فرثاها وبكى ولده منها . ولم تنجح كل محاولاته في التقرب من النوار لأنه لم يدرك ان العلة في خلقه ومسلكه وأصرت على الطلاق على يد الحسن البصري فنالته إلا أن الفرزدق ندم بعد ذلك . وقد عبر عن ندمه بأبيات منها : ندمت ندامة الكسعي لما غدت مني مطلقة نوار وكانت جنتي فخرجت منها كآدم حين أخرجه الضرار وكنت كفاقئ عينيه عمدا فأصبح ما يضيئ له النهار ولا يوفي بحب نوار عندي ولا كلفي بها إلا انتحار ولو رضيت يداي بها وقرت لكان لها على القدر الخيار وما فارقتها شبعا ولكن رأيت الدهر يأخذ ما يعار وقد ماتت النوار قبل الفرزدق فرثاها ، تلك هي قصة الفرزدق والنوار . وقد تركت هذه القصة في نفس الشاعر أبعد الآثار ولونت نظرته إلى المرأة ولم تتح له أن ينعم بالبيت الهادئ المريح ولا أن يرى في المرأة الشريك الذي يزيد الحياة بهجة ويساعد في التغلب على صعابها . اما جرير فقد رأى في قصة النوار موضوع سخرية وتندر فراح يصب عليه سيل التهم وينعته شر النعوت مستغلا نفور النوار منه وكرهها إياه . وأقبل الفرزدق الشيخ يدب إلى بيت الهثهاث المجاشعي وكان قد دلف إلى التسعين فخطب ظبية بنت حالم وحل اسمها في مطالع قصائده محل النوار : وظبية دائي والشفاء لقاؤها وهل انا مدعو لنفسي طبيبها شخصيته كان الفرزدق ضخم التقاطيع مجهم الوجه مستديره صغير القدمين غليظا قصيرا أصيب بالصلع فكان جرير يدعوه « القريد الأصلع » ويعيره « قصر القوائم » إلا أن الفرزدق كان يؤمن بجماله فيصور نفسه كالهلال يروق النساء . وكان يحتال على ما بقي من شعره فيجمعه في ضفيرتين يخضبهما بالحناء كما يخضب لحيته . حتى إذا شمله الشيب ترك الخضاب فكان مهيب المنظر . وكان يلبس اللباس الفاخر من الديباج والخز عمل أهل اليمن ويعتم بعمامة كبيرة ضخمة . ويبدو انه في الواقع لم يكن على قدر كبير من الجمال بل ربما كان بدينا قبيح الوجه . ومع أن الفرزدق كان أميا كأكثر شعراء عصره ولكنه روى أيام العرب وكثيرا من الشعر الجاهلي وقيد نفسه ليحفظ القرآن فكون لنفسه ثقافة لا بأس بها وقد انفرد برواية حديث امرئ القيس يوم دارة جلجل مما دفع طه حسين إلى اعتباره من ابتكار الفرزدق . كما جمع في ثقافته إلى أساطير الجاهليين حكايات المفسرين فاعتلجت كل هذه المواد في ذاكرته القوية واندفعت متدفقة في شعره بترتيب . ومن نتائج ثقافته الواسعة في ذلك العصر انه كان كثير الأحاديث حلو القصص عذب الأسلوب . قال ابن قتيبة : كان الفرزدق معنا مفنا يقول في كل شيء وسريع الجواب . وكان إلى ذلك قوي البديهة سريع الجواب حاضر النكتة لاذعها أحيانا يروي لنا ابن قتيبة اخبارا تثبت هذه الصفات نكتفي بإيراد واحد منها : جاء عنبسة بن معدان إلى باب بلال فرأى الفرزدق وقد نعس فحركه برجله وقال : بلغت النار يا أبا فراس ؟ قال : نعم ورأيت أباك ينتظرك . وكثيرا ما تتداخل هذه الدعابات ببذاءة اللفظ وفحش القول . واشتهر الفرزدق بجبنه . وقد أكثرت كتب الأدب من ذكر نوادره . ولم يحارب قط على كثرة فخره وحماسته . وقد عرف عنه جبنه فكان القوم يداعبونه ويخوفونه ليتنادروا عليه . كان مرة عند سليمان بن عبد الملك وأتي سليمان باسرى من الروم فقال للفرزدق : قم فاضرب أعناق هؤلاء فاستعفاه من ذلك فلم يعفه ودفع اليه سيفا كليلا فقام الفرزدق فضرب به عنق رجل منهم فنبا السيف فضحك سليمان ومن حوله . . . وكانت هذه الحادثة موضع اهتمام جرير في هجائه للفرزدق . كما عرف في مجونه وقد تعرض للملاحقة غير مرة بسبب تعرضه لنساء كان ينبغي ان لا يتعرض لهن . ومع ذلك فقد ذكر انه صلى وتاب نادما كما ذكر عنه انه بكى في المسجد وتأثر في جنازة النوار بكلام الحسن البصري . على أن ابن خلكان « يرجو له الجنة بمكرمة تنسب اليه » وهي مدحه زين العابدين ( ع ) .